العلامة الأميني

633

النبي الأعظم من كتاب الغدير

والثالث : وهو إخباره بوجوب حبّهم أو نصرتهم عليه ، فكان الواجب - عندئذ - إخباره صلّى اللّه عليه وآله عليّا والتأكيد عليه بذلك ، لا إلقاء القول به على السامعين . وكذلك إنشاء الوجوب عليه وهو المحتمل الرابع ؛ فكان صلّى اللّه عليه وآله في غنىّ عن ذلك الاهتمام وإلقاء الخطبة واستسماع الناس والمناشدة في التبليغ ، إلّا أن يريد جلب عواطف الملأ وتشديد حبّهم له عليه السّلام إذا علموا أنّه محبّهم أو ناصرهم ليتّبعوه ، ولا يخالفوا له أمرا ، ولا يردّوا له قولا . وبتصديره صلّى اللّه عليه وآله الكلام بقوله : « من كنت مولاه » نعلم أنّه على هذا التقدير لا يريد من المحبّة أو النصرة إلّا ما هو على الحدّ الّذي فيه صلّى اللّه عليه وآله منهما ؛ فإنّ حبّه ونصرته لأمّته ليس كمثلهما في أفراد المؤمنين ، وإنّما هو صلّى اللّه عليه وآله يحبّ أمّته فينصرهم ، بما أنّه زعيم دينهم ودنياهم ، ومالك أمرهم وكالئ حوزتهم ، وحافظ كيانهم ، وأولى بهم من أنفسهم ، فإنّه لو لم يفعل بهم ذلك لأجفلتهم الذئاب العادية ، وانتأشتهم « 1 » الوحوش الكواسر ، ومدّت إليهم الأيدي من كلّ صوب وحدب ، فمن غارات تشنّ ، وأموال تباح ، ونفوس تزهق ، وحرمات تهتك ، فينتقض غرض المولى من بثّ الدعوة ، وبسط أديم الدين ، ورفع كلمة اللّه العليا ، بتفرّق هاتيك الجامعة ؛ فمن كان في المحبّة والنصرة على هذا الحدّ فهو خليفة اللّه في أرضه وخليفة رسوله ، والمعنى على هذا الفرض لا يحتمل غير ما قلناه . المعاني الّتي يمكن إرادتها من الحديث لم يبق من المعاني إلّا الوليّ ، والأولى بالشي ، والسيّد - غير قسيميه : المالك والمعتق - والمتصرّف في الأمر ومتولّيه . أمّا الوليّ : فيجب أن يراد منه خصوص ما يراد في « الأولى » لعدم صحّة بقيّة المعاني كما عرّفناكه .

--> ( 1 ) - [ « انتأشتهم » : انتزعتهم ] .